فرنسا 1-1 إيطاليا | ليلة سان دوني الأولى لزيدان تنتهي بنصف ابتسامة
د. طلال عثمان، المدير العام — GCC Sport
لم تكن ليلةً عادية في سان دوني. فالرجل الذي صنع أجمل فصول الكرة الفرنسية لاعبًا، عاد إلى المدرجات ذاتها مدربًا، ينتظر أن يكتمل المشهد بانتصار ثالث يليق بالعودة. لكن إيطاليا، التي تعرف كيف تُفسد الحفلات منذ أكثر من قرن، حملت معها إلى باريس ما يكفي من العناد لتخرج بنقطة، وتترك زين الدين زيدان أمام أول سؤال حقيقي في مشروعه.
السياق: عرشٌ لم يُختبر بعد
كانت هذه أول مباراة لزيدان على أرضه في ستاد دو فرانس منذ تسلّمه المهمة، بعد بداية مثالية خارج الديار. دخلت فرنسا اللقاء متصدرة المجموعة بست نقاط، متقدمة بثلاث على بلجيكا وإيطاليا، فيما جاءت إيطاليا إلى باريس منتشيةً بعرضٍ لافت حيث اكتسحت تركيا 4-1 في المباراة الثانية لمانشيني، بعد أن كانت قد افتتحت مشوارها بخسارة على أرضها أمام بلجيكا بهدفين نظيفين.
كان الجميع يتوقع أن يكون هذا اللقاء اختبارًا للحقيقة: هل فرنسا زيدان فريقٌ يفوز بالموهبة الفردية في الدقائق الأخيرة، أم مشروعٌ له هوية؟ وهل إيطاليا مانشيني الثانية صحوةٌ حقيقية أم ومضةُ ليلةٍ ممطرة في بورصة؟
الشوط الأول: صمتٌ تكتيكي
جاء الشوط الأول مغلقًا كما تقتضي مواجهات الجارتين. إيطاليا لم تأتِ لتلعب مباراة مفتوحة، بل لتُغلق الممرات وتنتظر. وفرنسا، بكل ما تملكه من سرعة على الأطراف، بدت عاجزة عن تحويل الاستحواذ إلى خطورة صريحة. انتهى الشوط بلا أهداف، وبإحساسٍ عام بأن المباراة تُدار بالعقل أكثر من القدم.
الدقيقة 55: أوليسيه يواصل كتابة اسمه
مرة أخرى، كان مايكل أوليسيه هو الإجابة. الجناح الذي حسم مواجهة بروكسل بانطلاقة من منتصف ملعب بلجيكا ولمسة ختام بارعة قبل النهاية بدقيقتين، عاد ليضع اسمه على لوحة النتيجة في الدقيقة 55. هدفٌ ثانٍ على التوالي يؤكد أن أوليسيه لم يعد بديلًا ينتظر فرصته في ظل نجوم الصف الأول، بل بات ركيزة يبني عليها زيدان فريقه الجديد.
وفي هذا تحديدًا تكمن رسالة المدرب: فرنسا ما بعد ديشان لن تكون فرنسا الأسماء، بل فرنسا الجاهزية.
الدقيقة 68: باستوني.. المدافع الذي يسجّل حين يُحتاج
لكن إيطاليا لم تنهَر. في الدقيقة 68، عاد أليساندرو باستوني ليمنح الآتزوري التعادل، وهو هدفه الثاني في نافذة واحدة بعد أن افتتح التسجيل أمام تركيا في الدقيقة التاسعة من ركلة ركنية. وللهدف دلالة تتجاوز الرقم؛ فباستوني هو ذاته الذي طُرد في الشوط الأول من ملحق التصفيات أمام البوسنة والهرسك، والتي خسرتها إيطاليا بركلات الترجيح. من لاعبٍ ارتبط اسمه بجرح الغياب عن المونديال، إلى لاعبٍ يعيد لمنتخبه صوته في ملعب الخصم الأكبر.
القراءة التحليلية: نقطة لكل سؤال
فرنسا: النتيجة تكشف أن مشروع زيدان ما زال في طور التشكّل. ثلاث مباريات، هدف واحد في كل منها، وفارق ضئيل في كل نتيجة. الفريق يمتلك الحلول الفردية، لكنه لم يجد بعد الإيقاع الذي يجعل منه آلة هجومية مستقرة. والأهم أن التقدم بهدف لم يتحول إلى سيطرة، بل إلى تراجعٍ منح الضيف فرصة العودة.
إيطاليا: مانشيني يعيد بناء شيء مألوف: صلابة دفاعية، وفاعلية في الكرات الثابتة، وصبرٌ لا يتأثر بأجواء الملعب. التعادل في باريس بعد السقوط أمام بلجيكا يعني أن الآتزوري استعاد أهم ما فقده في السنوات الأخيرة: الثقة بأنه قادر على الوقوف أمام الكبار.
ترتفع رصيد فرنسا إلى سبع نقاط، وتصل إيطاليا إلى أربع، في مجموعة ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات. وتنتظر فرنسا مواجهة بلجيكا يوم الاثنين 5 أكتوبر في ستاد دو فرانس، قبل لقاء الإياب أمام إيطاليا في ميلانو يوم 12 نوفمبر.
خرج زيدان من ليلته الأولى في سان دوني بلا هزيمة، لكن أيضًا بلا الاحتفال الذي كان ينتظره الجمهور. فالكرة، كما يعرف هو أكثر من غيره، لا تمنح العائدين هداياهم مجانًا. أما إيطاليا، فقد غادرت باريس وهي تعرف أن النقطة التي حصدتها أثقل من وزنها في جدول الترتيب؛ إنها نقطة الكرامة التي يحتاجها منتخبٌ يحاول أن يُقنع نفسه، قبل الآخرين، بأنه عاد.